معالم في طريق الإصلاح

إن العاقل ليحار عندما يمعن النظر في حال أمتنا، و إن باغي الإصلاح ليقف مشدوها من أين يبدأ و كيف يتصرف، أالأخلاق، أم المفاهيم و الثوابت، أم العدو المتربص بل المدمر المخرب...


فهد مولاطو
معالم في طريق الإصلاح

بسم الله الرحمن الرحيم و صل اللهم على محمد سيد المرسلين، و على أصحابه و التابعين، أما بعد، فهذه كلمة مختصرة حول منهج الإصلاح و العمل في ظل التخبط و المخاض الذي تعيشه الأمة منذ ما يقرب من مائتي سنة.

فكلمتي هذه موجهة لمن يرى نفسه مسلما غيورا على دينه متمسكا بهويته، يحب الخير لأمته لكنه لا يعلم ما يمكنه بل ما يجب عليه فعله في هذا الوقت العصيب، و هي تبقى رأيا أخطئ فيه و أصيب.

إن العاقل ليحار عندما يمعن النظر في حال أمتنا، و إن باغي الإصلاح ليقف مشدوها من أين يبدأ و كيف يتصرف، أالأخلاق، أم المفاهيم و الثوابت، أم العدو المتربص بل المدمر المخرب…

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليس بالسهل المتيسر، لكن أظن أن هنالك معالم و ثوابت في طريق الاصلاح لا ينبغي أن نختلف فيها و يمكن أن تبقى نقط انطلاق لغيرها من الأعمال. 

1. الوعي بوجوب الإصلاح و الحث عليه

قال تعالى و العصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر، و قال عز و جل فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن انجينا منهم، و قال قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني،و قال و ما كان ربك ليهلك القرى بظلم و أهلها مصلحون، فالاصلاح عصمة من العذاب، و قال فانجينا الذين ينهون عن السوء و أخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون،

و قال سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام من مات و لم يغز و لم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق، أخرجه مسلم، و الغزو هو بذل الانفس و المهج لتكون كلمة الله هي العليا و هو الإصلاح في الأرض بعينه، فمن لم يسع لتكون كلمة الله هي العليا و لم يهم به مات على شعبة من النفاق، فإنه إن تعذر الغزو بقي الإصلاح و الهم به على وجوبه، بل إن الله أوجب أن يكون حب هذا الجهاد أكبر من حب الأهل و المال حيث قال، قل إن كان آباءكم و أبناءكم و إخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم و أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب إليكم من الله و رسوله و جهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره و الله لا يهدي القوم الفاسقين. 

و في حديث الغرباء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ الإسلام غريبا و سيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قالوا و من الغرباء يا رسول الله قال الذين يصلحون اذا فسد الناس و في لفظ الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي، فهؤلاء المصلحون هم المسلمون حقا في وقت الغربة، 

و الهجرة كانت واجبة في أول الإسلام على الأعيان لتحقيق الإصلاح في الأرض، فإذا عادت علة الحكم عاد الحكم، أي أن الإصلاح إن اقتضى التضحية بالأرض و المال و الاهل وجب ذلك إن لم يكن سبيل غيره.  

إن مراحل علاج كل مرض يجب أن تمر عبر الوعي به و استشعاره، ثم تشخيصه، ثم تعاطي الدواء بحسبه. و إن أمراض الأمة كذلك، ينبغي قبل أي شيء أن نسشعرها قبل تشخيصها ثم السعي في علاجها باتخاذ التدابير اللازمة لذلك.    

فوتيرة العيش الراهنة و انشغال كل بنفسه إما بالجري وراء تحصيل الرزق لسد الرمق أو تلبية لدواعي النفس من تكديس المال و اكتساب الجاه أو اتباعا لشهوات الغي من البطن و الفرج أو استجابة لدواعي الغفلة و الاستكانة و السبات من إعلام و مناهج مضللة، تجعل الحس يتبلد اتجاه الأمراض و الأدواء المستشرية في جسد أمتنا، و اتجاه الأخطار المحيطة بنا من عدو خارجي متربص أو داخلي منافق، و من أخلاق منحلة، و دين ضائع،

كل هذا و كأن الجسد مخدر لا إحساس فيه، يصدق عليه قول الله و لا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، و قوله فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا و الحمد لله رب العالمين،      

فخلاصة الباب أن أيما مسلم ليس مستغرقا في الرباط على ثغر من ثغور الأمة و ليس يؤرقه حالها، فعليه أن يراجع إيمانه، فمثله كمثل رجل يحاصر السراق بيته تربصا به لاقتحامه بينما هو منهمك في إعادة ترتيبه و تأنيق أوانيه و متاعه.   

2. تحقيق التزكية و الحرص على الإخلاص

يقول المولى جل شأنه إن تنصروا الله ينصركم و يثبت اقدامكم، و يقول، وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، و قال و لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون و إن جندنا لهم الغالبون، و قال و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين، 

فهذه الآيات و غيرها تفيد كما هو مركوز في فطرة و عقيدة كل مسلم من أن النصر و التمكين بيد الله الواحد القهار، و هو رهين بالإيمان و العمل الصالح، فالتمكين له شرطان تامان، ما لم يمنع منه مانع يقاوم مفعول أحدهما، ككثرة الخبث كما في الحديث المشهور أنهلك و فينا الصالحون، و الشرطان هما الأخذ بالأسباب و الحرص عليها ثم صدق اللجوء و التوكل على الله، كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم احرص على ما ينفعك و استعن بالله و لا تعجز، فهذه أسباب الفلاح، فإن أهملنا احداها فقد خالفنا ما أمرنا به و تعبدنا. 

إن الله عز و جل خلق هذا الكون و جعل له نظاما عليه يقوم، فمن زعم تجاوزه و إقصاء قواعده فهو ساع في إخلال ما أمرنا بالعمل بحسبه، فهو كمن أراد الولد بدون نكاح أو الشبع بدون أكل أو الارتواء بدون شرب، و قد قال تعالى و لو يشاء الله لانتصر منهم و لكن ليبلو بعضكم ببعض، فلو شاء تعالى لرفع الاسباب المعروفة و لانتصر ممن عادى نبيه لكنه ابتلانا و اختبرنا لينظر كيف نعمل.

و ها هو رسول الله يضع خطة محكمة ايام الهجرة كي يفلت من طلب كفار قريش و رصدهم، و ها هو يستشير أصحابه و يضع خطة المعركة و يقاتل تحت درعين يوم أحد، و ها هو يحفر الخندق في غزوة الاحزاب، و كلها أمثلة لأخذه صلى الله عليه وسلم بالأسباب الكونية مع الاعتماد و التضرع و اللجوء الصادق إلى الله عز و جل، حيث قال يوم الهجرة لصاحبه ما ظنك باثنين الله ثالثهما، و حيث دخل العريش يوم بدر يبتهل إلى الله و ينشده نصره ووعده، و أمثلة هذا و ذاك أكثر من أن تحصى.

فالمراد هنا، أن ننبه إلى أن لله الأمر من قبل و من بعد، و أنه مهما أخذنا بالأسباب، و مهما خططنا، فلولا تيسير الله للشيء ما تيسر، فإنه ما من سبب إلا و له شروط و موانع ليفعل مفعوله، و لا نملك السيطرة عليها كلها، و منه قوله تعالى هو الذي أيدك بنصره و بالمؤمنين و ألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم و لكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم، أي أنه لولا توفيق الله و تأييده لما اجتمع المؤمنون حول النبي لما كانت بينهم من عداوات و منافسة على السيادة قبل الاسلام، و لو تألفهم بمال الأرض جميعا، هذا مع استحضار ما للائتلاف بالمال من وقع على النفوس، فهو من أقوى أسباب اجتماع القلوب، فانظر إلى كون هذا السبب القوي لا مفعول له إلا بإذن الله و توفيقه.    

و هو القائل و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى، و هو القائل، و إذ يغشيكم النعاس أمنة منه و ينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به و يذهب عنكم رجز الشيطان و ليربط على قلوبكم و يثبت به الأقدام، و هو القائل فأنزل الله سكينته على رسوله و على المؤمنين و أنزل جنودا لم تروها، فكلها أشياء لا نملكها و لا نملك السيطرة عليها و إنما جاءت من الله تأييدا لجنده. 

و إليك قصة تبين لك هذا المعنى، أي انه بدون تيسير الله بدفع الموانع و توفر المحل القابل لا تنفع الاسباب، جاء في آخر كتاب الإسلام بين الشرق و الغرب للمفكر بيكوفيتش رحمه الله، في أثناء اقتحام الحلفاء لأوروبا سنة 1944 خلال الحرب العالمية الثانية حدث للحظات قليلة اضطراب شمل جميع الاتصالات اللاسلكية و كان من الممكن أن يسبب هذا كارثة تقضي على العمليات العسكرية التي كانت قد بدأت تشق طريقها، و لم يعرف أحد سبب هذا الاضطراب إلا بعد سنوات حيث عزي هذا الاضطراب إلى انفجار حدث في مجموعة نجمية يطلق عليها مجموعة “أندروميدا” علما بأن هذه المجموعة تبعد عن كوكبنا عدة ملايين من السنوات الضوئية. 

فخلاصة الباب أن أي برنامج و خطة للإصلاح لا تجعل من أولى أولياتها تحقيق التقوى و الصلاح في الأمة، فهي خطة مصيرها الفشل و إن كانت لها بعض الثمار العاجلة الجني. 

3. الاجتماع و نبذ الفرقة

إن الاجتماع مع ترك بعض السنة او بعض الفرائض آكد و أولى من فعلها مع الفرقة، و هذا أصل حث عليه القرآن الكريم و سنة سيد المرسلين و فهمه الصحابة و وعوه و طبقوه،

فالاختلاف علامة غياب الرحمة كما قال عز و جل و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك و لذلك خلقهم، فقد أمرهم بالاجتماع و عدم التفرق، رغم أن التفرق واقع قدرا لا محالة

و قال تعالى و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا، و قال و لا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات

و قال إن الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا لست منهم في شيء

و قال شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا و الذي اوحينا إليك و ما وصينا به إبراهيم و موسى و عيسى أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا فيه،

و أخبرنا سبحانه أن التفرق سببه البغي، و أصله الظلم و الكبر فقال و ما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم، فمعظم الفرق المختلفة بينها من أصحاب المذاهب الفكرية و الفقهية و العقائدية يكون معها حق و باطل كما يكون عند مخالفها حق و باطل، فمستقل و مستكثر، لكن الظلم و الكبر يدفعها لجحد ما مع الأخرى من الحق و الهوى يدفعها لعدم رؤية ما معها هي من الباطل،

و قال تعالى و أطيعوا الله و رسوله و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم،  فالتنازع سبب للفشل و ذهاب القوة  

و من السنة ما جاء في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أن الله رضي لنا ثلاثا أن نعبده ولا نشرك به شيئا و أن تعتصم بحبل الله جميعا و لا نتفرق و أن نناصح من ولاه الله أمرنا، أخرجه مسلم،

و إنما شرعت صلاة الخوف مع الإخلال بكثير من اسباب الخشوع و مع كثرة الحركة إيثارا لاجتماع المسلمين على صلاة واحدة، و جائت السنة بمتابعة الإمام على خطئه إن نسي القعود للتشهد الاوسط مع علم المأمومين بالخطأ إيثارا للجماعة و عدم الاختلاف 

و جاء في البخاري عن جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تقرؤون القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اخلفتم فقوموا، و هذا في القرآن فغيره أولى بأن يقام عنه إن أدى إلى الفرقة و الاختلاف 

 و جاء في الترمذي و أصله عند مسلم عن أبي هريرة قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم و نحن نتنازع في القدر فغضب حتى احمر وجهه كأنما فقئ على وجهه حب الرمان ثم أقبل علينا فقال أبهذا أمرتم أبها أرسلت إليكم إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه

و قد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم سبطه الحسن رضي الله عنه بالسيادة فقال إن ابني هذا سيد و لعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، و ما نال هذا المقام إلا لإيثاره جمع شمل الأمة على التمسك بالخلافة رغم مبايعة أهل العراق له، فتنازل عنها لمعاوية فسمي ذاك العام عام الجماعة.

و ها هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كما ثبت في الصحيح يتم الصلاة في الحج خلف عثمان رغم أنه صلى كما قال مع الني صلى الله عليه وسلم و مع أبي بكر و مع عمر و صدرا من خلافة عثمان هذه الصلاة فكلهم قصروا، و قال وددت لو أن لي من صلاتي ركعتين متقبلتين، فقيل له عبت على عثمان و أتممت، فقال إن الخلاف شر، فانظر كيف أنكر على عثمان اجتهاده و عارضه و رغم ذلك أتم الصلاة خلفه درءا لمفسدة الفرقة و الخلاف،

و ها هو ابن عمر قال كما جاء في البخاري دخلت على حفصة ونسواتها تنطف، قلت قد كان من أمر الناس ما ترين، فلم يجعل لي من الأمر شيء، فقالت الحق فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة . فلم تدعه حتى ذهب، فلما تفرق الناس خطب معاوية، قال من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق به منه ومن أبيه  قال حبيب بن مسلمة  فهلا أجبته؟ قال عبد الله فحللت حبوتي، وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمرِ منك من قاتلك  وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع، وتسفك الدم، ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان.

انظر كيف آثر عبد الله بن عمر رضي الله عنه السكوت لما ترجحت لديه مصلحة اجتماع الكلمة و عبرها حفظ الدماء على مصلحة تولية الأحق بالخلافة دون المفضول.

و أمثلة هذا الباب كثيرة جدا من السنة و سيرة خير القرون لمن تتبعها، و هي تدل على أهمية هذا الأصل الذي ما فتئت الأمة تهمله و لا توفيه حقه في عصور تدهورها، و ما ذاك إلا لاستحكام أمراض النفوس و دواعي الهوى على غالبية من يملك زمام أمورها. 

فالسبيل هو تحرى الحق و الصواب في كل شيء و الدعوة إليه ثم الصبر و الاصطبار على ذلك، فإن اختلفنا مع أحد، وازنا بين أصل نبذ الخلاف و المسائل المتنازع فيها فنؤثر أحبها إلى الله عز و جل، و هذا لا يتم إلا بفقه عميق و بصر نافذ و عقل زكي خال من الهوى. 

و نشير أخيرا إلى أن من أهم أسباب الاجتماع، السعي إلى تقليص الفوارق بين فرق الأمة بالدعوة إلى الرجوع إلى أصول الدين الصحيحة و إعادة قراءة ثراتنا لننبذ منه كل ما علق به من رواسب الإنحرافات السلوكية و العقائدية و الفكرية و المذهبية، بعيدا عن كل تعصب أو ميل او هوى إلا النصح لله و لدينه و لرسوله و و لأئمة المسلمين و لعامتهم. 

4. إطلاق حوار عام يعنى بالبحث العميق و السبر الدقيق لأسباب الوهن و الضعف التي تعاني منها الأمة و التخطيط لسبل ووسائل  النهضة و الانبعاث

إن التنظير و التخطيط و الترتيب من ضروريات النجاح في كل عمل، و ليس العمل الدعوي أو الترتيب نحو النهوض بالأمة ببدع منها.

إن التنظير و وضع خطط الإصلاح ينبغي أن يراعي مساحات العمل الراهنة المتاحة و ان ينطلق منها في التنظير، مع تحديث الخطط و الاهداف المرحلية بصفة مستمرة حسب الظروف و المستجدات. و مما ينبغي التنبه له هنا، هو البون الشاسع بين تتبع المستجدات لرد الفعل التدافعي و بين إعادة النظر في الأهداف المرحلية او في ترتيبها مراعاة لخطة البناء، فالأولى ليست إلا ردة فعل، و رغم وجوبه و تعينه في كثير من الحالات، لا ينبغي أن تلهي عن الخطة الأساسية التي تعنى بالتشييد. 

هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة يهيئ أصحابه بالتربية على العقيدة و الاخلاق و يدعو قومه للدخول في الدين، فلما أبوا عليه أصبح يعرض الإسلام على القبائل كي تأويه احداها فتمنعه ليبلغ كلام ربه و لتكون للإسلام شوكة يدفع بها عن نفسه، فربما قبل بعضهم عرضه صلى الله عليه وسلم بشروط كبني شيبان، لكنه أباها و قال إنه لا يقوم بهذا الأمر إلا من أحاط به من كل جوانبه، فدل هذا أنه كانت له رؤية و أهداف و شروط لا يمكن التنازل عنها، ثم لما اشتد الخناق على أصحابه صلى الله عليه وسلم أشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة حيث كان بها ملك عادل ريثما يظهر الإسلام و يشتد عوده، و ربما أسلم بعض العرب في أوائل من أسلم فأمره بالرجوع إلى قومه و دعوتهم كالطفيل بن عمرو الدوسي، حتى إذا ظهر الإسلام جاءه، فكان أن أسلمت دوس على يديه و منهم سيد الرواة أبو هريرة رضي الله عنه، و هكذا كانت خطته صلى الله عليه و سلم،حوت أهدافا نهائية، و خططا مرحلية، و شروطا لا يمكن التنازل عنها.

ومن تتبع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدها كلها أمثلة للقائد الرباني الذي يتصف بالنظر الثاقب الفاحص في الأحداث، الخبير بمحيطه و بيئته، الذي يخطط و يأخذ بأسباب النصر كلها، الربانية التعبدية و المادية، مع إشراك صحابته في كل الأمور، فكان أروع مثال لحسن التدبير، و هذا باب واسع جدا من سيرته عليه أفضل الصلاة و أزكى التسليم لمن تتبعه،

و رغم كونه صلى الله عليه وسلم مسددا بالوحي فأحداث السيرة تدل على أنه عليه الصلاة والسلام كان يجتهد بنفسه في معظم قراراته و شؤونه في تدبير الأمة إلا ما جاء الوحي فيه مستدركا، كاختيار مكان معركة بدر و أحد، و كتقرير مصير الأسرى في بدر و حنين، و إبرامه صلح الحديبية الذي كان الظاهر من فعله صلى الله عليه وسلم أنه كان اجتهادا ذاتيا، حيث أجاب عمر لما عارضه فقال له: إني رسول الله و لست أعصيه وهو ناصري، فلو كان أمرا إلاهيا لقال هو أمر الله و كفى، و غيرها من الوقائع الكثير الكثير.    

لا مناص لمسايرة حركة الحضارة العالمية، و لكي يكون للإسلام وجود فضلا عن قيادة، من البدار إلى إطلاق حركة فكريية واسعة النطاق حول سبل و خطط النهوض بالأمة و إفاقتها من هذا السبات و الرقاد، حركة فكرية و حوار يضم كل أطراف الأمة و إن اختلفت المشارب و الرؤى ما دامت في إطار ثوابت الأمة، و هذا سيؤدي بإذن الله إلى تلاقح الأفكار و استفادة بعضها من بعض.

إن هذه الأبحاث ستعنى بالاستفادة من كل تجارب الأمة و غيرها من الأمم، حيث أن هذا الباب مما يمكن أن يستوحى فيه من تجارب الآخرين ما دامت لا تتعارض مع ثوابتنا، كما ستعنى بالاستفادة من كل فنون المعرفة و العلوم الإنسانية. ففضلا عن العلوم الشرعية التي تبقى حاكمة و قاضية على غيرها، وجب دراسة علوم السياسة و الاجتماع و الاقتصاد و فلسفة التاريخ و غيرها.

و إن مما يمكن السعي وراءه بادئ ذي بدء هو احداث مراكز للبحث و التخطيط في كل المجالات الحيوية تعنى بوضع برامج للعمل و خطط للنهضة عبر عشر سنين و عشرين سنة و مائة، انطلاقا من واقعنا المعاصر و أخذا بالاعتبار مساحات العمل الراهنة، ثم وجب تنبيه و توعية المسلمين إلى ضرورة توفير المال اللازم لتمويل تلك المراكز و لتأهيل الأطر اللازمة من المفكرين و الباحثين كل في مجاله، و بث الوعي بأنه من الجهاد الواجب المؤكد.

و تبقى الاشارة كما مر سابقا، ان وسائل الدعوة و التربية على الدين الصحيج النقي و الفطرة السليمة، و خاصة بالنسبة للنشء، تبقى من اهم و اولى الخطوات التي ينبغي التباحث فيها و التخطيط لها لتحصين المسلمين من كل دخيل من أفكار هدامة أو سلوكات منحرفة.

هذه معالم و غيرها كثير، و يبقى باب الحوار و تلاقح الأفكار مفتوحا و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العلمين.

سجل تفاعلك مع المقال
Love
Wow
Sad
Angry
تم تسجيل تفاعلكم مع "معالم في طريق الإصلاح" قبل بضع ثوان
Show Comments (2)

التعليقات

  • كمال المفتي

    جزاكم الله خيرا ، حبذا لو تفرقوا بين الأيات القرانية والأحاديث النبوية عن ما تكتبوه بأناملكم بتشكيلها أو علي الأقل بوضعها بين مزدوجتين ،

    • Article Author
    • رد
  • أم البنين

    بارك الله فيكم.. اللهم استعملنا لنصرة دينك وسنة نبيك واجعلنا من الذين ينفعون الناس بالخير والصلاح..

    • Article Author
    • رد

مقالات ذات صلة

الأسرة

ربّة البيت ودورها في الإصلاح والتنمية

إن الإسلام لا يرى في المرأة أنها نصف المجتمع فحسب، بل يرى فيها أكثر من ذلك حين مكنها - بما أناطه بها من مهمة تنشئة الأجيال - من صنع أفراد المجتمع الذي يُحكم بنجاحه إذا نجحوا...

تحرير حماد القباج يوم
الفكر

القفز الحُكمي في الفكر الغربي..! برتراند راسل نموذجا – الجزء ١

إن الحكمَ بانتفاء الوجود الإلهي، وجَعْلَ التدين والبحث عن قوة عُليا نتيجةً للخوف، ما هو إلا مغالطة الأصل المنطقية، التي يُبتدَأُ فيها بالحكم سلبا أو إيجابا على منبع الفكرة، للحكم...

تحرير أيوب أبسومي يوم