ترياق السعادة

وما أشد حاجتنا في هذا العصر الفارغ الذي طغت فيه التفاهة والحياة المادية لإحياء القرآن في بيوتنا ومجالسنا، فيكون مدار حديثنا وبه تمام أنسنا ..


كريمة دوز
ترياق السعادة

“من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية” ابن تيمية – رحمه الله

لا تخلو نفس إنسان من البحث عن السعادة أو حتى ظلالها، فكل منا يسعى جاهدا لتحقيق السعادة، وإنزالها في حياته ومعاشه، وإذا كان الرافعي يرى أن السعادة تتحقق في كلمتين ضل في فهمهما الفلاسفة والعلماء فيقول: “كلمتان هما تعريف السعادة التي ضل فيها الفلاسفة والعلماء، وهما من لغة السعادة نفسها؛ لأن لغتها سلسلة قليلة المقاطع كلغة الأطفال التي ينطوي الحرف الواحد منها على شعور النفس كلها. أتدري ما هما؟ أفتدري ما السعادة؟ طفولة القلب!”[1]، فإنا نرى أن ماهية السعادة كذلك في كلمتين بهما وزن النفس الإنسانية، وفيهما نور الحياة الروحية لبني آدم، أو تعلم ما هما؟ إنهما قلب قرآني!

فيا هناء من تحققت له السعادة بالقرآن فكان الفلق النوراني الذي يشق صدره، فلا يخطو خطوة إلا والقرآن نصب عينيه، فيكون دستورا ناظما لحياته، مؤنسا لروحه، وجلاء همومه ومفتاح سعادة لأحزانه، وتباريح قلبه، ولا يخفى علينا ذلك الدعاء النبوي العظيم الذي كان القرآن فيه محور الراحة النفسية والشافي لغموم القلب، وزوال الكرب، فصوره رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظيم الصور البلاغية، مبينا عن منزلة القرآن في كشف الغموم، وغيث قلوب المكروبين، ففي الحديث الذي رواه أحمد من حديث ابن مسعود < قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما أصاب عبدا هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله به فرحا”، فهذه وصفة خير الورى ومن لا ينطق عن الهوى لك، فهل أنت مستمسك بها، لتُحيي السعادة في قلبك فيزهر نورا وفرحا؟

وما أشد حاجتنا في هذا العصر الفارغ الذي طغت فيه التفاهة والحياة المادية لإحياء القرآن في بيوتنا ومجالسنا، فيكون مدار حديثنا وبه تمام أنسنا، فليت شعري أين نحن من القرآن بل أين القرآن في نفوسنا، نشتكي التعب النفسي والهوان الروحي، ولا نعلم أن قلوبنا ظمآنة لنور الوحي، ونفوسنا عطشى لتلقي آيات البرهان وروح البيان، قال الحق سبحانه: ﴿طه ۝ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ۝ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى ۝ تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ (طه، الآية:1-3)،  فكيف لقلب أن يشقى وهو عامر بالقرآن، وكيف لروح أن تتعب وهي ترتقي بآيات الرحمان.

فالقرآن هو مفتاح لإدراك كل خير وسبب لنيل كل سعادة، وترياق للأرواح المسمومة بهوى الشيطان، لكن أنى لقلوب مقفلة أن تفقه الطريق فتسلكه، وتبصر الخطاب فتفتح لها الأقفال، قال الحق سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ ( سورة الكهف، الآية: 56)، فأَوْقِد فتيل القرآن في صدرك ولا تتبع هواك فتضل الطريق، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة القصص، الآية: 50)، واسلك مسالك أهل الله اللذين فطنوا لحقيقة الدنيا فجعلوا القرآن قنديلا يعبرون به من دار الفناء إلى دار البقاء وفقهوا قول الرحمان: ﴿ هَٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُومِنُونَ﴾ (سورة الأعراف، الآية: 203)، فهذه بصائر الله لك لتهتدي بها وتكون لك نورا في الدنيا وضياء في الآخرة فهل تفطنت لها؟

وأي سعادة ترجو وقد خرجت بقلبك من بساتين الذكر ولزمت ما يبلي الروح ويطفئ شعلة اليقين في قلبك فاتبعت سبل الشيطان فضللت وأضللت، قال الحق سبحانه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (سورة الأعراف، الآية: 2).

 إن القرآن لعمري باب خير لنا في زمن يعج بالمتناقضات، وسفينة نجاة في عالم يضيق بالفتن، فلنكن من أولئك اللذين يمَسِّكون بالكتاب، فيكون لهم باب من أبواب الصلاح، ولنكن من المنصتين إذا تلي عليهم فيرحمون، ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (سورة الأعراف، الآية: 204)، والمتدبرين لحروفه إذا تلوه فيهتدون إلى سواء السبيل قال جل ثناؤه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (سورة النساء، الأية: 86)، فهذا خطاب رب البرية لك، فكن منصتا متدبرا له لتتدرج في مقامات السعادة وأي سعادة، إنها سعادة أهل القرآن.

 فارتق بالتلاوة والتدبر وكن من المستجيبين للنداء الرباني فتحيي قلبك وتخرجه من ظلمات الهوى إلى نور الرحمات قال الحق سبحانه:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ (سورة الأنفال، الآية: 24)، واسأل المولى أن يجعل القرآن ربيع قلبك كما علمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فتتفتق رياحين الفرح فيه ويونع بنسائم الرحمان.

واعلم أخيه أن القرآن الكريم كتاب ذكر وأي ذكر إنه حديث رب العالمين ومن أصدق من الله حديثا، فانفض الغبار عن قلبك وتلقف بركات القرآن، واعلم كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية أن من أراد السعادة الأبدية لزم عتبة العبودية، ولعل أولى عتبات العبودية وأوثقها بك، كتاب الله تعالى فافتحه بروح اليقين يفتح الله لك أبواب السعادة، فيفوح قلبك بشدا القرآن.

والله من وراء القصد


[1] حديث القمر، مصطفى صادق الرافعي، دار المعرفة للنشر والتوزيع، القاهرة-مصر، الطبعة الأولى، (1437هـ-2016م).

سجل تفاعلك مع المقال
Love
Wow
Sad
Angry
تم تسجيل تفاعلكم مع "ترياق السعادة" قبل بضع ثوان
Show Comments (0)

التعليقات

مقالات ذات صلة

الأدب

الابتسامة.. أمر صغير، وأثر كبير، وأجر كثير

روى الترمذي عن أبي ذر الغفاري...

تحرير نبيل كزناي يوم
المجتمع

إنه أندى صوتا منك

لا ينقص من قدْرك أو قيمة فكرتك أو مشروعك العلمي أو الدعوي إن تولى غيرك مهمة التنزيل والتوقيع ..

تحرير د. رشيد بنكيران يوم