التراث الإسلامي بين التنقيح والتحريف

إننا نومن أن التراث الإسلامي يحتاج دائما إلى تجديد وتنقيح، وقد أخبرنا بذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم حينما قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" ولكن ما المقصود بالتجديد؟ ومن يتولى مهمة تجديد التراث وتنقيحه؟


الحسن شهبار
التراث الإسلامي بين التنقيح والتحريف

إن الأمة الإسلامية اليوم لا يمكن لها أن تنهض من كبوتها إلا بالعودة إلى تراثها، لتُكمل مسيرتها التي انقطعت بفعل الحملات الاستعمارية على البلاد الإسلامية، والتي دمرت كل شيء، وبذرت بذورها في تربة المجتمعات الإسلامية قبل أن ترحل؛ ولا تزال تلك البذور تعمل عملها في بلاد المسلمين عن طريق التدابير المدروسة بعناية، وبأساليب ماكرة متعددة ومتنوعة التأثير.
ولا يجادل عاقل في أن التراث الإسلامي كنز كبير تمتلكه الأمة، وأن هذا التراث هو هويتها الذي من دونه لا يكون لها وجود ولا ذكر، وأنه أساس التماسك الاجتماعي الذي يُحقق الأمن والاستقرار. ولذلك فإن أول ما استهدفته تلك الحملات الاستعمارية هو تشويه هذا التراث وتزويره، ومحاولة قطع صلة أهله به، عن طريق تجهيلهم بنصوص الوحي، ثم بث المفاهيم العلمانية ونشر الثقافات الغربية كبديل له، ومُخلص للشعوب الإسلامية من التخلف والجهل.
ولقد تعالت أصوات اليوم مطالبة بتنقيح هذا التراث، وصرحت هذه الأصوات جهارا نهارا دون خجل ولا وجل، أنه لا بد من إعادة فهم النص الشرعي بمنظور الألفية الثالثة، وأنه يجب نزع الغطاء الذي يحجب الرؤية، ويُعطل ويشل الحركة الفكرية التحررية والتنويرية، والقطع مع المذاهب الدينية التي تُشبع نشوتها بالرجوع إلى التراث الإسلامي المتمثل في بضاعة قديمة مخزونة في متحف الماضي، وتجعل النص التاريخي القديم مقدسا يُبنى عليه ! وإنما يقصد هؤلاء بالتراث خاصة ما ورثه المسلمون عن علمائهم السابقين من إنتاج علمي يتصل بالقرآن والسنة.
إننا نُقر أن التراث الإسلامي تعرض لنوعين من التشويه والتحريف:
الأول: تشويه غير مقصود في معظمه من الغالين أدعياء العلم والاجتهاد، الذين تصدروا للإفتاء في قضايا الأمة المصيرية؛ فأحدثوا أزمة كبرى بفتاويهم الشاذة وأقوالهم المضطربة التي خالفوا فيها علماء الأمة، وهم بذلك مهدوا الطريق لسطوع النوع الثاني من التشويه والتحريف؛
الثاني: تشويه مقصود، وتحريف مخطط له بإتقان؛ يمارسه العابثون الباحثون عن تحقيق ربح مادي أو معنوي، ويهدف إلى نزع القداسة عن النص الشرعي، ومحاولة أنْسنته، ومحاصرته وإقصائه، وذلك لما أيقنوا أن هذا النص الشرعي المقدس هو محور التوجيه ومصدر التلقي، ومركز التأثير والتغيير في حياة المسلمين.وقد تباينت مستويات التشويه والتحريف للتراث الإسلامي عند هؤلاء، من محاولة لزعزعة اليقينيات، وخلخلة المسلمات، إلى تقزيم لجهود العلماء والتشكيك في قواعد المنهج التي وضعوها للفهم والاستنباط.
إننا نومن أن التراث الإسلامي يحتاج دائما إلى تجديد وتنقيح، وقد أخبرنا بذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم حينما قال: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” (أخرجه أبو داود في سننه)، ولكن ما المقصود بالتجديد؟ ومن يتولى مهمة تجديد التراث وتنقيحه؟ هل هم عوام الناس؟ أم الذين يُعلنون عداءهم ويظهرون حقدهم في كل مناسبة لهذا التراث العظيم؟ أم العلماء الربانيون الراسخون؟
لقد أصبح تجديد الدين وتنقيح التراث شعارا لكل حاقد على الإسلام، ولكل متربص بأهله الدوائر، وإن العقلاء لا ينطلي عليهم العالم الورع التقي الذي يُمارس عملية التجديد والتنقيح، من المتعالم الدعي المسخر من قبل الأعداء، سواء علم ووافق أم جهل واستُحمر.
ولئن كنا نتفق على أن التراث الإسلامي كنز ثمين؛ فإن هذا الكنز لا يُؤتي أكله ولا يُنتفع به انتفاعا آمنا إلا إذا تعاملنا معه بمنهج منضبط، ورفضنا الانسياق وراء الدعوات المغرضة حوله، وعلمنا علم اليقين أن أزمة الأمة اليوم ليست أزمة فقه وتراث؛ بل هي أزمة معرفة وقراءة، وأزمة تقصير في الاطلاع على التراث واستيعابه، وأزمة إخلال بشروط النظر والاجتهاد في هذا الكنز العظيم.
صحيح أن كثيرا مما بسطه فقهاؤنا وأئمتنا وعلماؤنا -رحمهم الله- قد يُساء فهمه وتوظيفه من طرف المتعالمين، الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناسُ رؤساء جهالا؛ فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا” (أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم)؛ فهؤلاء الرؤوس الجهال الذين يظن الناس بهم العلم؛ فيسألونهم فيُفتونهم بغير علم، فيضل المفتي والمستفتي معا، لا يمثلون التراث الإسلامي في شيء، وفي هذه الحالة لا تُوجه الانتقادات والطعون للفقهاء ولا للتراث؛ بل يجب أن توجه لمن يسيء لهذا التراث، ويقتحم أسواره دون قواعد ولا ضوابط. ألا ترون أنه وُجد ويُوجد من يُسيء فهم القرآن الكريم ويُوظف نصوصه توظيفا خاطئاً؛ فهل نطعن في القرآن ونطالب بتنقيحه وتصحيحه، أم نضرب بيد من حديد كل من سولت له نفسه العبث بآياته وأحكامه؟!
إن ما نحتاجه اليوم وقبل اليوم وبعده، هو إزالة الالتباس ورفع الإشكال في مجال التعامل مع التراث؛ فتراث الأمة غني متكامل، والفقه الإسلامي لا يحتوي فقها واحداً جامدا؛ بل هو فقه مرن يتناسب مع ظروف النازلة وأحوالها؛ ولذلك نجد في تراثنا فقه المدينة وفقه البادية، وفقه الحضر وفقه السفر، وفقه الممكن وفقه التمكين، وهكذا.. ولكن المشكلة في المنهج الذي يجب نتبعه حتى لا نقع في الحيرة والاضطراب، وحتى لا نُسيء لتراثنا وأئمتنا. وإن الطريقة الصحيحة لتجنب هذه الإساءة هي الحجر على كل سفيه ومغفل من التكلم باسم الدين، وأن لا يُفتح باب الغوص في التراث واستخراج كنوزه وفك شفراته إلا للعلماء المتمكنين الصادقين.
وإني والله لأعجب لحال أشخاص أصبح كل همهم إسقاط تراث الأمة الإسلامية والطعن فيه بالباطل حتى يظهروا أمام أسيادهم أنهم متنورون ومتفتحون ومسايرون للواقع؛ فتُفتح أمامهم كل وسائل الإعلام، ويُقدمون للناس على أنهم باحثون كبار ومفكرون عظام، وما هم في حقيقة الأمر إلا مهرجون عابثون، يبحثون عن موطئ قدم لهم ويتحينون الفرصة لنيل نصيبهم من الكعكة، أو حاقدون ناقمون على الإسلام وتراثه وعلمائه.
إن تنقيح التراث يحتاج إلى علماء ربانيين أمناء، يعتزون بدينهم، ويُدركون حاجة الأمة إلى بعث وإحياء وتجديد، يرتكز على جذورها الحضارية والثقافية والدينية؛ وإلا فلن يكون التنقيح إلا تحريفا وتشويها منظما، وتخريبا مقصودا، يُعمق أزمة فقدان الهوية، ويجعل أفراد الأمة الإسلامية كحال اليتامى على موائد اللئام.

سجل تفاعلك مع المقال
Love
Wow
Sad
Angry
تم تسجيل تفاعلكم مع "التراث الإسلامي بين التنقيح والتحريف" قبل بضع ثوان
Show Comments (0)

التعليقات

مقالات ذات صلة

الفكر

دعوى الأرضية المعرفية

الانطلاق من القرآن بتجرد عن كل ما يشوش نظرتنا وجعله منهجاً لتفسير وتوجيه معتقداتنا وسلوكاتنا هو أفضل منهج لفهم الدين فهما صحيحا، وأفضل وسيلة لتعزيز وحدة اﻷمة ونبذ فرقتها.

تحرير محمد بنشارة يوم
الشبهات

الوثنية العصرية: عبادة العلم التجريبي (1)

نحن اليوم أمام وثنية جديدة اسمها العلم التجريبي، أنبياؤها هم علماء البيولوجيا والطب والفلك والفيزياء الذين يتبنَّون المنهج العلموي..

تحرير محمد أمين خلال يوم